ابن خلدون

294

تاريخ ابن خلدون

في مؤنة حركتهم وترجع بقومها فأسعفها السلطان لما كان العرب اعتزموا على الانصراف إلى مشاتيهم وبعث مشيخة الفقهاء لعقد الصلح في ربيع الأول سنة تسع وستين فتولى عقده وكتابه القاضي ابن زيتون لخمسة عشر عاما وحضر أبو الحسن علي بن عمرو وأحمد بن الغماز وزيان بن محمد بن عبد القوى أمير بنى توجين واختص جرون صاحب صقلية بسلم عقده على جزيرته وأقلع النصارى بأساطيلهم وأصابهم عاصف من الريح أشرفوا منه على العطب وهلك الكثير منهم واغرم السلطان الرعايا ما أعطى العدو من المال فأعطوه طواعية يقال إنه عشرة أحمال من المال وترك النصارى بقرطاجنة تسعين منجنيقا وخاطب السلطان صاحب المغرب وملوك النواحي بالخبر ودفاعه عن المسلمين وما عقده من الصلح وأمر بتخريب قرطاجنة وأن يؤتى بنيانها من القواعد فصير أبنيتها طامسة ورجع الفرنجة إلى دعوتهم فكان آخر عهدهم بالظهور والاستفحال ولم يزالوا في تناقص وضعف إلى أن افترق ملكهم عمالات واستبد صاحب صقلية لنفسه وكذا صاحب نائل وحنوة وسردانية وبقي بيت ملكهم الأقدم لهذا العهد على غاية من الفشل والوهن والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين أصل هذا الرجل من بنى سعيد رؤسا القلعة المجاورة لغرناطة وكان كثير منهم قد استعملوا أيام الموحدين بالعدوتين وكان جده أبو الحسن سعيد صاحب الاشغال بالقيروان ونشأ حافده محمد هذا في كفالته ولما عزل وقفل إلى المغرب هلك ببونة سنة أربع وستمائة ورجع حافده محمد إلى تونس والشيخ أبو محمد بن أبي حفص صاحب إفريقية لذلك العهد فاعتلق بخدمة ابنه أبى زيد ولما ولى الامر بعد وفاة أبيه غلب محمد هذا على هواه ثم جاء السيد أبو علي من مراكش وعلى إفريقية محمد بن أبي الحسين في جملته إلى أن هلك في حصار هسكورة بمراكش كما قدمناه ورجع ابن أبي الحسين إلى تونس واتصل بالأمير أبى زكريا لأول استبداده فغلب على هواه وكان منحتا في صحابة الملوك ولما ولى المستنصر أجراه على سنته برهة ثم تنكر له اثر كائنة اللحياني وعظمت سعاية أعدائه من الباطنية وأشاعوا مداخلته لأبي القاسم بن عزومة أبى زيد ابن الشيخ أبى محمد فنكبه السلطان واعتقله بداره تسعة أشهر ثم سرحه واعاده إلى مكانه وثأر من أعدائه واستولى على أمور السلطان إلى أن هلك سنة احدى وتسعين وكلف ابن عمه سعيد بن يوسف بن أبي الحسن اشغال الحضرة وكان قد اقتنى مالا جسيما ونال من الحضرة منالا عظيما وكان الرئيس أبو عبد الله متفننا في العلوم مجيدا في اللغة والشعر ينظم فيجيد وينتر فيحسن وله من التآليف كتاب ترتيب المحكم لابن سيده على نسق